فخر الدين الرازي

149

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي ، فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى اللَّه ، ونظيره قوله تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ آل عمران : 128 ] وقوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] فهذا جملة ما خطر بالبال في هذه الآية ، واللَّه أعلم بأسرار كلامه . ثم إنه تعالى أكد هذا الذي قلناه فقال تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 80 ] مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ( 80 ) والمعنى أن من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام اللَّه فهو في الحقيقة ما أطاع إلا اللَّه ، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق اللَّه ، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ، فان من أعماه اللَّه عن الرشد وأضله عن الطريق ، فان أحدا من الخلق لا يقدر على إرشاده . واعلم أن من أنار اللَّه قلبه بنور الهداية قطع بأن الأمر كما ذكرنا ، فإنك ترى الدليل الواحد تعرضه على شخصين في مجلس واحد ، ثم إن أحدهما يزداد إيمانا على إيمان عند سماعه ، والآخر يزداد كفرا على كفر عند سماعه ، ولو أن المحب لذلك الكلام أراد أن يخرج عن قلبه حب ذلك الكلام واعتقاد صحته لم يقدر عليه ، ولو أن المبغض له أراد أن يخرج عن قلبه بغض ذلك الكلام واعتقاد فساده لم يقدر ، ثم بعد أيام ربما انقلب المحب مبغضا والمبغض محبا ، فمن تأمل للبرهان القاطع الذي ذكرناه في أنه لا بد من إسناد جميع الممكنات إلى واجب الوجود ، ثم اعتبر من نفسه الاستقراء الذي ذكرناه ، ثم لم يقطع بأن الكل بقضاء اللَّه وقدره ، فليجعل واقعته من أدل الدلائل على أنه لا تحصل الهداية إلا بخلق اللَّه من جهة أن مع العلم بمثل هذا الدليل ، ومع العلم بمثل هذا الاستقراء لما لم يحصل في قلبه هذا الاعتقاد ، عرف أنه ليس ذلك إلا بأن اللَّه صده عنه ومنعه منه . بقي في الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن اللَّه ، لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة اللَّه وأيضا وجب أن يكون معصوما في جميع أفعاله ، لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله : وَاتَّبِعُوهُ [ الأعراف : 158 ] والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير ، فكان الآتي بمثل ذلك الفعل مطيعا للَّه في قوله : وَاتَّبِعُوهُ فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وفي جميع أفعاله ، إلا ما خصه الدليل ، طاعة للَّه وانقياد لحكم اللَّه . المسألة الثانية : قال الشافعي رضي اللَّه عنه في كتاب الرسالة في باب فرض الطاعة للرسول : ان قوله تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ يدل على أن كل تكليف كلف اللَّه به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن ، ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن ، فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول ، وإذا كان الأمر كذلك / لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة اللَّه ، هذا معنى كلام الشافعي . المسألة الثالثة : قوله : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ يدل على أنه لا طاعة إلا للَّه البتة ، وذلك لأن طاعة الرسول لكونه رسولا فيما هو فيه رسول لا تكون إلا طاعة اللَّه ، فكانت الآية دالة على أنه لا طاعة لأحد إلا